فخر الدين الرازي

226

القضاء والقدر

الفصل الثاني في حكاية الدلائل التي تمسكوا بها في إثبات أن العبد موجد أعلم أنهم احتجوا بوجوه كثيرة : الحجة الأولى : أنهم قالوا : إن أفعالنا يجب وقوعها على وفق دواعينا ، ويجب انتفاؤها على حسب كراهاتنا لها . وذلك يدل على وقوعها بنا . أما المقدمة الأولى : فبيانها : أن الصائم في الصيف الصائف إذا اشتدت شهوته إلى شرب الماء ، والشارع يشير إليه بذلك ، والطبيب يشير إليه به . وعلم قطعا أنه لا تبعية عليه في شرب ذلك الماء ، في الحال ولا في الاستقبال . فإنه لا بد وأن يشربه . وكذلك العالم بما في دخول النار من الألم ، إذا علم أنه لا نفع له في دخولها البتة ، وعلم أنه لو دخلها لحصلت آلام عظيمة في جسده . فإنه مع هذا العلم لا يدخلها البتة . فثبت بما ذكرنا : أن أفعالنا يجب وقوعها بحسب دواعينا ، ويجب انتفاؤها بحسب صوارفنا . وذلك هو تمام المقدمة الأولى . وأما المقدمة الثانية : فهي قولنا : إن الأمر لما كان كذلك ، وجب أن يكون حدوث أفعالنا بنا . والدليل عليه : أنه لو كان المحدث لها غيرنا ، لصح من ذلك الغير أن لا يحدثها عند حصول إرادتنا ، وأن يحدثها عند حصول كراهتنا . وذلك يبطل ما بيناه في المقدمة الأولى من وجوب مطابقة أفعالنا لدواعينا نفيا وإثباتا . الحجة الثانية : الأنبياء عليهم السلام أجمعوا على أن اللّه أمر عباده ببعض الأشياء ، ونهاهم عن بعضها . ولو لم يكن العبد موجدا لأفعال نفسه ، لما صح ذلك . فكيف يعقل أن يقول اللّه للعبد : إفعال الإيمان والصلوات والعبادات ، ولا تفعل الكفر والمعاصي . مع أن الفاعل لهذه الأفعال ، والتارك لها ليس هو العبد ؟ فإن أمر الغير بالفعل يتضمن الإخبار عن كون ذلك المأمور قادرا على الفعل ، حتى إنه لو لم يكن المأمور قادرا عليه لمرض أو لسبب آخر ، ثم أمره غيره به . فإن العقلاء يتعجبون منه وينسبونه إلى الحماقة والجنون . ويقولون : إنك تعلم أنه لا يقدر على ذلك الفعل ، فكيف تأمره به ؟ ولو صح هذا لصح أن يبعث اللّه رسولا إلى الجمادات مع المعجزات ، والكتب والشرائع . لأجل أن يبلغ ذلك الرسول تلك الشرائع إلى تلك الجمادات . ثم إنه تعالى يخلق الحياة والعقل لتلك الجمادات ، ويعاقبها ، لأجل أنهم لم يمتثلوا أمر الرسول ، حال كونها جمادات . وذلك مما يعلم فساده ببديهة العقل .